التداول الاسلاميالاكاديمية

هل التداول حلال أم حرام؟ الضوابط الشرعية للتداول عبر الإنترنت

الضوابط الشرعية للتداول عبر الإنترنت كما قررتها المجامع الفقهية، ونقاط الخلاف التي تسأل عنها العالم قبل أن تبدأ.

هل يجوز لي أن أتداول عبر الإنترنت؟ وما الفرق بين تداول الأسهم وتداول العملات والعقود؟ وهل يكفي فتح “حساب إسلامي” لدى الوسيط؟ سؤال “هل التداول حلال أم حرام” من أكثر الأسئلة التي يطرحها المستثمرون العرب، والجواب ليس كلمة واحدة، لأن الحكم يختلف بحسب ما تتداوله وطريقة تداوله.

في هذا المقال نعرض الضوابط الشرعية التي قررتها المجامع الفقهية والهيئات الشرعية المعتمدة، مع ذكر كل قرار بمصدره وتاريخه. وننبّه إلى أن هذا المقال ليس فتوى، وأن العلماء يختلفون في بعض الصور، فاعرض حالتك على عالم موثوق قبل أن تقرر.

الأصل في التجارة الإباحة

يقرر الفقهاء أن الأصل في البيع والشراء بقصد الربح الإباحة، ويستدلون بقوله تعالى: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا» (البقرة: 275). لذلك لا يتعلق السؤال بالتداول نفسه، بل بالصورة التي يتم بها. وتدور الضوابط التي وضعها العلماء حول خمسة أمور: التقابض في العملات، والرافعة المالية، والفوائد الربوية، والغرر والميسر، ونشاط الشركة التي تشتري أسهمها.

الضابط الأول: التقابض في تداول العملات

الأساس في بيع العملات حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ … فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» (صحيح مسلم، 1587). وقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن العملات الورقية لها أحكام الذهب والفضة في الربا (القرار رقم 21 (9/3)، عمّان 1407هـ/1986م). ويترتب على ذلك:

  • اشتراط التقابض: جاء في فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: «يشترط لصرف العملات بعضها ببعض التقابض في مجلس العقد» (المجموعة الأولى، ج13، ص458، الفتوى رقم 14294).
  • منع التأجيل: قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أنه «لا يجوز شرعًا البيع الآجل للعملات، ولا تجوز المواعدة على الصرف فيها» (القرار رقم 102 (5/11)، المنامة 1419هـ/1998م).
  • معيار أيوفي: خصصت هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) المعيار الشرعي رقم (1) لـ “المتاجرة في العملات”، ومن أبرز ما يشترطه التقابض قبل تفرق العاقدين.

ومن أحدث القرارات في هذا الباب ما صدر عن المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثالثة والعشرين (الرياض، شوال 1445هـ/أبريل 2024م)، إذ نصّ على أن «الأصل في بيع العملات الحل إذا تم على وجه المصارفة بشروطها الشرعية، والتي من أهمها تحقق القبض وقت التعاقد، سواء أحصل هذا البيع بوسائل الاتصال الحديثة بما فيها المنصات الإلكترونية أم بغيرها». ونصّ على أن القبض يتحقق «بالقدرة على الانتفاع والتصريف بالعملة خارج سوق الصرف». وجاء في القرار: «المتاجرة بالعملات على وجه المجازفة (الفوركس) بهدف تحصيل فروق السعر دون تحقق القبض المذكور أعلاه، لا يجوز شرعاً»، لما يدخلها من الربا، و«لما يعتريه من مخاطرة تجعله في حكم القمار»، ولما تحدثه من أضرار بالاقتصاد.

الضابط الثاني: الرافعة المالية والمتاجرة بالهامش

في المتاجرة بالهامش يدفع العميل جزءًا يسيرًا من قيمة الصفقة، ويقرضه الوسيط الباقي. وقد قرر المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته الثامنة عشرة (مكة المكرمة، 1427هـ/2006م) أن هذه المعاملة «لا تجوز شرعاً»، ومن الأسباب التي ذكرها:

  • الربا الصريح في الزيادة على مبلغ القرض، وهي ما يُسمى “رسوم التبييت”.
  • الجمع بين القرض والسمسرة، لأن الوسيط يشترط أن تكون التجارة عن طريقه، وفي الحديث: «لا يحل سلف وبيع» (سنن أبي داود 3504، وجامع الترمذي 1234).
  • أن بيع العملات في هذه الأسواق يتم غالبًا دون قبض شرعي، وأن الوسيط قد يبيع ما لا يملك.

وفي الأسهم قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أنه «لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم» (القرار رقم 63 (1/7)، جدة 1412هـ/1992م).

اقرأ أيضًا: هل شركة Binomo نصابة؟ وهل التداول مع Binomo حلال أم حرام؟

الضابط الثالث: الفوائد الربوية و”الحسابات الإسلامية”

يحذّر القرآن من الربا بقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» (البقرة: 278). لذلك يقدّم كثير من الوسطاء “حسابات إسلامية” لا تُحتسب فيها فوائد التبييت (السواب).

لكن هل يكفي إلغاء السواب؟ بحسب ما جاء في موقع “الإسلام سؤال وجواب”، فإن ما يسمى بالفوركس الإسلامي «سلم من محذور واحد وهو رسوم التبييت، لكنه لم يسلم من الجمع بين السلف والمعاوضة، ومن محذور تأخير القبض، ومن الإضرار بالاقتصاد». ولم نجد، في حدود ما اطلعنا عليه، قرارًا من مجمع فقهي أو معيارًا من أيوفي يعتمد هذه الحسابات وحدها حلًا كافيًا. فاسأل دائمًا: هل حلّت رسوم أخرى محل الفائدة؟ وهل يتحقق القبض فعلًا؟

الضابط الرابع: الغرر والميسر

«نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ» (صحيح مسلم، 1513)، وقال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (المائدة: 90). وفي هذا الباب قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في قراره رقم 63 (1/7) ما يلي:

  • الخيارات: عقود الاختيارات كما تجري في الأسواق العالمية «عقد غير جائز شرعًا»، ولا يجوز تداولها.
  • المستقبليات: العقود التي يؤجَّل فيها البدلان، أو تُصفّى بعقد معاكس دون تسليم فعلي، غير جائزة.
  • المؤشرات: «لا يجوز بيع وشراء المؤشر لأنه مقامرة بحتة».

أما عقود الفروقات (CFD) فلم يصدر، في حدود ما اطلعنا عليه، قرار مجمعي يسمّيها بالاسم، لكن جهات فتوى معاصرة، منها موقع “الإسلام سؤال وجواب”، تُلحقها بأحكام الخيارات والمستقبليات والمؤشرات الواردة في القرار نفسه.

الضابط الخامس: نشاط الشركة في تداول الأسهم

قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي في القرار رقم 63 (1/7) أنه «لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها»، وأن «الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة». وقرر أيضًا أنه لا يجوز بيع سهم لا يملكه البائع (البيع على المكشوف).

في المقابل، يجيز المعيار الشرعي رقم (21) الصادر عن أيوفي الاستثمار في الشركات ذات النشاط المباح التي تتعامل بالربا أحيانًا، ضمن ضوابط، منها بحسب ما تنقله المصادر عن المعيار: ألا تبلغ القروض الربوية 30% من القيمة السوقية للشركة، وألا يتجاوز الدخل المحرم 5% من إيراداتها، مع وجوب التخلص من الجزء المحرم من الأرباح.

اقرأ أيضًا: هل عملة البيتكوين حرام ام حلال

هل التداول حلال أم حرام؟ نقاط الخلاف بين العلماء

  • معنى القبض في المنصات: هل يكفي أن يُقيَّد المال في حسابك على المنصة في مجلس العقد مع قدرتك على سحبه والتصرف فيه، أم يُشترط ما نص عليه قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي من «القدرة على الانتفاع والتصريف بالعملة خارج سوق الصرف»؟
  • أسهم الشركات المختلطة: بين من يمنعها مطلقًا ومن يجيزها بنسب محددة مع التطهير.
  • الحسابات الإسلامية: هل يكفي إلغاء السواب إذا بقيت الرافعة والعمولة؟

أسئلة تعرضها على العالم قبل أن تبدأ

  1. هل أملك الأصل فعلًا، أم أتداول عقدًا على فرق السعر فقط؟
  2. هل يتم التقابض، وهل أستطيع سحب المال أو العملة والتصرف فيها؟
  3. هل أستخدم رافعة مالية أو قرضًا من الوسيط؟
  4. هل توجد فوائد، أو رسوم بديلة عنها؟
  5. هل نشاط الشركة التي أشتري أسهمها مباح؟

الأسئلة الشائعة

هل تداول الأسهم حلال؟

قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي أن «الأصل في المعاملات الحل»، لكنه قرر حرمة الإسهام في الشركات ذات النشاط المحرم، ومنع شراء الأسهم بقرض ربوي وبيع ما لا تملكه. ويختلف العلماء في الشركات ذات النشاط المباح التي تتعامل بالربا أحيانًا.

هل الحساب الإسلامي يجعل الفوركس حلالًا؟

بحسب موقع “الإسلام سؤال وجواب”، يعالج إلغاء فوائد التبييت محذورًا واحدًا فقط، ويبقى شرط القبض الذي نص عليه قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي لعام 2024، ومسألة الرافعة المالية التي منعها المجمع نفسه عام 2006.

هل التداول بالرافعة المالية حرام؟

قرر المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي عام 2006 أن المتاجرة بالهامش لا تجوز شرعًا.

هل عقود الفروقات CFD حلال؟

لم نجد، في حدود ما اطلعنا عليه، قرارًا مجمعيًا يسمّيها، وتُلحقها جهات فتوى معاصرة، منها موقع “الإسلام سؤال وجواب”، بالعقود التي منعها قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم 63.

هذه أبرز الضوابط الشرعية التي قررتها المجامع الفقهية للتداول عبر الإنترنت. وهي عرض لأقوال أهل العلم وليست فتوى، فتختلف اجتهادات العلماء في بعض الصور، فاستشر عالمًا موثوقًا قبل اتخاذ قرارك.

المصادر: قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي، وقرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي بشأن المتاجرة بالهامش.

تنويه: تداول العملات والعقود مقابل الفروقات ينطوي على مخاطر عالية قد تؤدي إلى خسارة رأس المال. هذا المقال لأغراض تعليمية ولا يُعد نصيحة استثمارية ولا فتوى شرعية.

طارق أبو ناصر

متخصّص في الاقتصاد والأسواق المالية، التقنية والعملات الرقمية
زر الذهاب إلى الأعلى